الجزء الواحد والعشرين

 

 

 


الجزء الواحد والعشرين

 

منذر

صرتُ اتجنبها ، اتجنب رؤيتها او حتى طلب مساعدتها

ذكرى حرق صدرها لم تمر على بالي هكذا ، انا الذي كنت افتح صدور الناس و اخرج ما فيها و اعاينه بقلب بارد !

ولكن صدر كهذا ليس ككل الصدور التي اعالجها !

كلما تخطر اللحظة على بالي اشعر بالحرج ، الحرج من نفسي ، فكيف بي ان افتن بها هكذا ؟!!

أين وعدي لصبا ؟!! واين حبي لصبا ؟!! هل ما اشعر به تجاه صبا شيء عابر ؟!!

 لا ليس عابرا ، صبا هي الروح نعم الروح ، كيف لي ان اتخلى عن عذوبة صبا و رقة صبا و شغب صبا و روعة صبا !

كيف تجرأت على النظر لامرأة أخرى غيرها ، كيف هانت علي و خنتها هكذا بنظراتي و بشهوتي و رغبتي تجاه جنين !

نعم قد رغبت بجنين رغبت بها بقوة ، القوة التي دفعتني لأن اتجنبها قدر ما أستطيع ، أنا وعدت صبا ووعدت نفسي قبلها أن تكون صبا اول أمرأة في حياتي !

كان الوضع عليا صعبا ، صعب على رجل مثلي ، يستغرب مني اخي المؤيد بل يضحك علي، على علاقاتي البريئة العذرية مع النساء ، كان حين يجلس ليحكي لي : اخ يا رجل اخ ، انها شهية اتمنى الا اتركها من بين يدي ان اظل اضاجعها طوال الليل هكذا مرات ومرات ، لا ادري كيف تحتمل حتى الان وانت وصلت الى هذا السن ألا تجرب حلاوة النساء ، كيف لا افهمك !

كيف لي انا ذاتي ان افهم ، وصفوني مرات عديدة بالبارد ، نعم فكل من يمتهن الطب هو بارد القلب و المشاعر ، ألا يفتح الناس و يقطعهم اجزاء ، ألا ينظر الى الدماء كل الوقت و يشم رائحتها كأنه مصاص دماء ولا يتزحزح فيه شعره ، ألا نرى تلك المناظر التي تقشعر لها الأبدان طوال الوقت خاصتا اوقات الحرب ، فأحد غيرنا قد يغمى عليه وهو يحاول ان يفعل ما نفعل !

لم يكن الطب سهلا ولم يكن التفوق فيه سهلا ولا ان تكون طبيبا معروفا في البلاد شيئا سهلا ايضا فكل ذاك لم يتحقق إلا بالجدية و التحدي و النظرة المستقبلية !

ان اقحم النساء في هذه الفترة الحساسة من حياتي كان من الممكن ان يضيّع وقتي وان افقد على اثره تركيزي في كل مهنتي الحساسة ، جراحة القلب ليس كأي جراحة ، انا انقض قلب ، الذي يدق داخلنا ، الذي نحب به ، الذي نعشق به ، الذي قد نرتكب كل حماقات الأرض بسببه !

إنه القلب !

لذلك اجلت مرات ومرات زواجي من صبا ، اعتقدت دائما ان الزواج سيلهيني عن مهنتي التي اعشقها ، فهناك زوجة و متطلبات ثم اولاد واسرة كبيرة ، هناك اوقات عمليات في منتصف الليالي وهناك رحلات عمل و هناك اشياء كثيرة لن تستطيع فعلها وبين يديك زوجة واولاد ، قد ضيعت عمري و عمر صبا معي وانا اماطل !

حين كنت أراها تبكي اغمض عيني أسفا : صبا انا لا احتمل رؤية الحزن في عينيكي ، قدري قليلا ضروف عملي ، انا لا اريد ان نعيش يومين في العسل و الباقي غائبا عن البيت تبحثين عني بين طيات حياتك !

كانت تلتفت لي بعينيها النجلاوين و الدموع تحرق خديها : ولكن الى متى قل لي فقط ، اعطني وقتا محددا انتظرك فيه انا لا استطيع العيش بدونك يا منذر متى ستفهم حاجتي اليك ، العمر يتقدم بي و اانت كما انت ، ما بين ندوات ومؤتمرات و سفر و طائرات ، انا لم اعد احتمل هذا الوضع ، عليك ان تضع حدا ، فرق بين حياتك المهنية و حياتك الشخصية ، فلنكتب كتابنا على الاقل !

كنت امسح دموعها و قلبي ينفطر عليها ، هل حقا قدرت صبر صبا علي حق قدره ؟!

الاجابة هي لا لم افعل

كنت اظن ان صبا لي حتى وان غزا الشيب شعرنا كلانا ، انها ستنتظرني على عتبات تاريخي المقيت ، انها ستصبر طالما انا من يصبرها بالوعود !

كنت فقط اخدر مشاعرها الى حين جولة اخرى ، كنت امسح دموعها و اهبط على شفتيها اقبلها حتى اشبع روح نفسي و اجعلها تنتظرني لموعد قبلة اخرى !

الى حين ان اقتحمتني جنين اقتحاما ، ولم تكن صبا بعد الآن اول امرأة سألمسها في حياتي !

حين دخلت علي ذات يوم ، ذات ليلة ، كنت حقا مشغولا لا استطيع حك رأسي كنت التهي عن رؤيتها ولا افكر فيها تلك الشقراء الشهية ، دخلت ومعها كوبين من القهوة تحملهما و هي تبتسم تلك الابتسامة التي تقتل اعتى الزُهّاد : دكتور منذر هل ستحن علي و تشرب معي القهوة !

رفعت رأسي متفاجأ منها ، قد اظن انها تشعر انني اتجنبها و لا ارغب في التعامل معها حين وسعت ابتسامتها و يشرق محياها الرائع الجمال : لاااا تقلق هذه المرة لن احرق نفسي ، وغمزت لي بشقاوة

اضطررت ان ابتسم لا ادري لما اخجل في حضورها ، اخجل من التهيج الذي يحصل في معدتي و الرفرفة التي تطرق لي قلبي و تتحرك بين جنبي صدري : تفضلي وهاتي القهوة من يدك لا نريد كارثة اخرى ، الم تتوبي عن شرب الحار !

اخذت القهوة من بين اصابعها الوردية ، ذات الاصابع الرقيقة و الاظافر المطلية باللون الوردي ، يا الهي كل شيء فيها وردي شيء رقيق جميل مثل هذا كيف سيتحداه قلبي و كيف ستنكره روحي !

كانت تشرب بتؤدة وهي تخفض جفنيها و تفكر فيما تقوله : لمَ كنت تتجنبني !

قد غزا الاحمرار وجهي ، يا الهي كيف سأبرر نفسي ، هل اقول لها انني رغبتها ، هل اقول من ساعتها والصداع يكاد يفجر لي رأسي قسمين من كثرة ما فكرت فيها ، كيف فكرت ان اخلع عنها حمالات صدرها و اراها هكذا عارية امامي ، كيف وددت ان امد يدي لالمس ثدييها ، كيف سأقول انني رغبت فعلا فيها كامرأة تغريني و تغري كل شيء في كرجل لم يذق من الانوثة سوى الشفاه !

كنت اخفض رأسي وكل شيء يدور في عقلي ولم افطن انها كانت واقفة خلفي و انفاسها تضرب عنقي فرفعت رأسي فاتحا عيني على وسعهما متفاجئا من حركتها هذه ولكنها وضعت كفيها على كتفي وهي تمررهما بكل حرفية فوق صدري الذي اقشعر منها ومن حركاتها الخفيفة ، انها تشعل النار في فؤادي ، انها تخترق اعتى اسواري ، لا ادري ما تفعل تلك الممرضة المتمرسة  بي ، حين استدرت بالكرسي بالكامل عليها ، كنت جالسا وكانت واقفة ، تقف هناك قريبة جدا.. جدا قريبة ، كنت الهث كفتى في فورة مراهقته وانا انظر الى عينيها وهي تهمس لي : أكنت تتجنبي لسبب شخصي !

رفعت كفها واحاطت به وجهي و انا اغلقت عيني ، حتى اللحظة لا اريد ان اثور ، لا اريد ان اقع في فخ الجنس العابر مع ممرضة تعمل تحت يدي ، لم ارد ان اخون صبا وهنا رفعت لها رأسي و عيني بشرار حام : جنين لا تلعبي معي لعبة القط والفار ، اريدك ان تخرجي حالا ارجوك !

انا حقا لم اردها ان تخرج ، انا فقط اريد ان احافظ على وعدي لحبيبتي صبا ، كيف ..كيف سأشعر بعدها ان خنتها الان، ان لم  تكن صبا اول امرأة في حياتي امارس الحب معها فستكون بعدها كل مرات ممارسة الحب مع النساء شيئا عاديا سيصبح الحب مع صبا عاديا !

اريد ان اخص تلك اللحظات بصبا فقط ان اعرف نفسي معها و ان اجعلها تعرف هي ايضا كيف لرجل يحبها ان يجعلها تطير بين السحاب !

حين رفعت لي جنين رأسي بطرف اصبعها  : ولكن بلا خبرة !

قد فوجعت .. كيف .. لم افهم .. هل كانت كل افكاري تدور فوق رأسي لتقرأها جنين ، انا نعم بلا خبرة مع النساء ، كيف عرفت ذلك !

حين غضنت حاجبي : نعم ماذا تفضلتي ؟

اقتربت بوجهها مني حتى كادت اهداب عينها تمس بشرتي و ترفرف فوقها بحرية : هناك صراع داخلك .. دكتور .. انت غير مدرب على الحب ، انت فقط مدرب على فتح القلوب !

كانت همساتها الدافئة تخترق مسامي ، انا كنت اضعف امامها ، و صدرها البارز بهذه الكيفية امام وجهي و تحت نظري ، نعم جلست جنين و فتحت ساقيها بين فخذي ، ارتعشت كلي ، لم اعد افهم ما تريد حين لفت يدها و التقى كفيها خلف رأسي ، كنت اعتقد ان الادوار قد انقلبت ، هي تداعبني وانا اخجل و اتحمر فوق اللهب ، هي تدك بيدها مكامن رجولتي وانا اغلق عيني لاستمتع بها و قلبي يكاد يخترق صدري من رهبتي ، انا لم اعقل شيئا حين صرت امارس الحب معها على الكرسي ، كانت جنين متمرسة ولم تكن عذراء كي تخاف على عذريتها كما كانت متحررة جدا في طريقتها في الحب ، كنت اذوب بين يديها ، في نصف ساعة وجدت نفسي افرغ كل طاقتي فيها بل لم ارغب في تركها وهي بين يدي تتعرق و تلهث وانا اعرق مثلها بل واكثر منها كنت اذوب بين ثدييها ، الآن صارت جنين بالكامل ملكي والآن فقط عرفت ماذا كان يقصد المؤيد والآن فقط عرفت أنني قد خسرت صبا !

توالت علي الايام وانا بالكاد انام ، كان هناك صداعا لم اعرف كيف اصمته عن ضجيجه في رأسي ، كنت اتناول حبات المسكن مثل المجنون ، كنت اظن ان هناك ما يسوء يجري في دمي !

صرت اذهب للعمل وانا ضائع تماما  لا استطيع التركيز ، كانت الليالي التي تأتي فيها جنين بالشاي او بالقهوة و نشرب ثم نمارس الجنس على الطاولة او السرير او حتى واقفين ، في تلك الليالي اشعر انني قد عدت الى عقلي ، قد عدت الى حالتي الطبيعية ، وحين كانت تغيب جنين كنت امر بحال كالفاقد للوعي ، اعتذرت عن اكثر من عملية لتعبي الجسدي ، فأنا اشعر بالقشعريرة و الجنون حتى تعود جنين ، هل حقا انا مريض بها ، هل اشفى فقط حين اراها ، كل ما حصل كان جنونا مطبق ، رأسي يكاد ينفجر من ثورته انا لا احتمل لم اعد احتمل ، بقيت اياما في الفراش لا اغادره ، كنت مريضا حقا ، كنت اتشبع من عرقي ، كنت اصرخ كالمجنون من رأسي !

حتى اتصلت بي يوما هي : دكتور منذر ! ألن ترجع الى المستشفى !

انا افتقدك !

لم اعد ادرك ما يجري معي ولم استطع الرد بتروي بل صرخت بها : جنين انا في حاجة لك !

كيف كيف خُدعت هكذا ، كيف غدرت بي جنين كيف ولماذا ولصالح من غدرت بي !

قالت لي : دكتور منذر ان اردت ان نتقابل في شقتي اعطك العنوان وتعال !

هناك لم اطق صبرا لبست ملابسي بلا تركيز كالمتشرد تماما ثم خرجت من البيت وانا لا ارى طريقي ، الكل لاحظ انني غير طبيعي ولكن ارجؤو كل ما يحدث لضغوطات عملي و ضغوطات الزواج من صبا

حين وصلت الى الشقة فتحت لي الباب و كانت تقف هناك مثل البريئة التي لن تفعل بي شيئا ، لم تدمر لي حياتي : دخلتُ ودخلتْ خلفي بعد ان اغلقت الباب ، كانت تنظر لي باستغراب و تمد يدها الى وجهي : اخ دكتور منذر تبدو بشكل مزر حقا ، هل انت مريض !

دخلت وانا متعب جدا و جلست على الاريكة اغلق عيني من شدة الالم والدوار : لا اعرف منذ ايام وهذا حالي صداع غريب في رأسي و جسدي يرتعد طوال الوقت ، صرت فاقدا للتركيز تماما لم اذهب للمستشفى والغيت كل محاضراتي و كل سفراتي !

اخذت اتنهد اريد النوم و الراحة ولكن بدون صداع يفطر رأسي ، القت بنفسها بجانبي تحضن رأسي : يا الهي لابد انك متعب و متوتر فمنذ زمن لم تاخذ فرصة و ترتاح من عملك وهذا كله قد رجع على صحتك ، هل تريد شرب شيء ما

قلت بلا اكتراث : اي شيء لا يهم !

قامت من جانبي و هي تتجه الى البار الخاص بها سكبت لها كأسا و سكبت لي ايضا كأس .. اطالت سكب الكؤوس ، انا في الحقيقة حتى الان لم اشرب ، لم اكترث بالمسكرات وهذا هو قانون العائلة التي تربينا عليها جميعا ،، نبيع المخدرات ولا نتعاطاها ، نبيع المسكرات ولا نشربها ، نبيع النساء ولا نضاجعهن ،، ولكنني كسرت كل قواعد العائلة ، فأنا لم اكترث من تعبي الى ما اشرب ولا ما نوعه فقط كنت اشرب ، شربت تلك الليلة كثيرا مع جنين وبين يدي جنين وحتى وانا اضاجع جنين التي ارجعت لي رأسي الى حاله فقد اختفى الصداع و حل محله الهمجية و الوحشية وانا اقوم بضربها بقسوة و شدة وانا تحت تأثير الشرب كنت اصفعها و علمت بأصابعي على وجهها كانت تصرخ وكنت اخرسها بكف يدي ، تحول الامر من ممارسة الحب بالاتفاق الى اغتصاب لا ادري مالذي يحصل لي فجسدي كان خارج سيطرتي وانا اسمعها تصرخ بين يدي : توقف توقف منذر ايها  االحقير قد اذيتني ، صارت تبكي بشدة ورعب وانا اقلبها بين يدي وهي لم تعد راغبة : اتركني ايها الهمجي السافل ماذا تفعل

صارت تبعدني وتقاومني وانا اثبتها بقوتي التي حقا لم اتعرف عليها الا تلك الساعة ، صفعتها عدة صفعات حتى داخ رأسها وصارت تمسك بأذنها : لقد ادميتني تحرك من فوقي لقد اذيتني اتركني يا منذر

ولكن هيهات !!

من ساعتها اختفت جنين و اختفى معها عقلي

لم تعد جنين الى المستشفى ولم تعد تجلب لي الشاي ولا القهوة ، لم اعد انا نفسي اذهب الى المستشفى،  بعد ان حللت وظهر ان ما يجري في دمي هو اعتى انواع المخدرات !

لم استطع ان افصح لأحد عن حالتي ، لقد ادمنت كل شيء ، ادمنت المخدر و صرت اتناوله بالخفاء عن اهلي و صرت اهرب المشروب الى غرفتي و صرت اضاجع النساء في المواخير وكل من تعرض علي نفسها ، صرت اراود الخادمات عن نفسهن .

صرت فاسدا بكل ما تعني الكلمة من معنى !

قد دمرتني جنين ، قد سقطتُ في يدها مثل الحشرة التي دعستها و هربت .

، كانت جنين تخطط تماما لما تفعله ، اين ومتى تبدأ ، كيف تغريه و كيف تدخل لعقله وكيف تزيد نسبة المخدر في مشروبه كل مرة !

انا لن انسى ما فعلته بي و لابد لي ان اجدها كي اعرف منها لما فعلت بي ذلك وانا االذي سلمتها نفسي بكل شفافية .!

لما انهتني ولما دمرتني ولما وهبتني حياة اخرى !

 

عند راعيل و الزين

لم ينم الليل كله على تلك الاريكة التي يتخذها سريرا

هو حتى الان لم يقاسمها الفراش

في الحقيقة وحين يواجه نفسه ، لم يرى نفسه الا معها ، مع تلك السمراء الفاتنة ، مع الفتاة التي قبّلها اول قُبلة لامرأة في حياته !

نعم حين يستوعب كل لحظات حياته يرى ان نجلا هي اول امرأة مرت عليه واول امرأة لمسها و لمستها شفتاه ، عندما كان يظنها فتاة صغيرة واذ بها فتاة بالغة !

هي الفتاة التي كانت تمرق امامه مروق السهم حين كان مع حنان ، ألم يتذكرها على فترات متباعدة ، ألا يتذكر كيف ارتعش اول مرة كأنه قد مارس الحب معها حقا !

كيف له ان ينسى ، كلا لم ينسى وإلا لما احتفظ بها في ذاكرته ليكشف عنها في اول لقاء بينهما حين كانت هناك رباب !

كيف ؟

كيف لا يفهم ، كيف لم يفكر بها بعد تلك الفترة من حياته ، كيف اقتحمها هو هكذا بل لمست شفاهه بشرتها بقبلة قرب شفتها اراد بها حقا ان يلتهم بها شفتها !

لا يعرف كيف انتهى به الامر هكذا معها !

اختفت عن نظره وعن حياته ، واختفى ذكرها كله عن عائلتها لفترة من الزمن ، تقول عاشت فترة عند اخوالها ولكن لماذا ؟!

الم تقل انها كانت تعتني برباب !

وهي تلك الاخرى ، يموت في يومه بألف غصة حين يفكر ، لا ..هو لا يفكر هو منغمس حتى الان بالتفكير ب كيف حملت رباب ، كيف لكاميرات المراقبة الا تظهر شيئا في ذلك اليوم ؟

هناك من اعتدى على رباب حتى حملت ، واين ، في عقر داره وبين اهله !

كيف ذلك

يذكر ذلك اليوم حين جمع كل الرجال الذين يعملون في البيت من الداخل و الخارج كبلهم جميعا بين ارجلهم و اياديهم

كان يقف هو ومن خلفه شقيقه و في نظراتهما السم الزعاف

هما الان قادران على ذبح هؤلاء الرجال واحدا تلو الاخر مثل الخرفان ، كان يصرخ كالمجنون في ويده يحمل سوطا جلديا : قلت لكم يجب على احدكم الاعتراف من كان يدخل الى البيت اعترفوا !

كان الرجال يقفون هناك ما بين واثق بنفسه وما بين مرتعد لا يدري ما سيكون مصيره و الشرار يتطاير من هؤلاء الاثنين

اخذ يطحن اسنانه ببعضها البعض و صدره ينفجر من حقده وغله عليهم و يضرب بسوطه الارض : اقسم بالله سأقطع جلودكم تقطيعا ان اعترفتم او لم تعترفوا ، الظالم سيذهب مع المظلوم ، من دخل البيت ومن اعتدى على عرضي من يا اوغاد !

خرجت الاصوات تتداخل : لا نعرف والله لم ندخل للبيت بالمرة لا ندخله يا سيد شعيب

كان اخاه يتقدم : من غيركم يا بهائم كان يدخل للبيت ونحن غير موجودين من ، قولوا والا اعترفوا على من تشكون به والا جزاؤكم لن يتخيله احد منكم ابدا !

كانا يقفا هناك كالماردين

كيف يُعبث بشرف العائلة و هم يجلسون بينهم ؟!

كيف لأحد ان تسول له نفسه و يعتدي على زوجة السيد ، السيد الذي يأويهم و يعيشون من خيره

كيف فعلوا ذلك بهم كيف وهم يعتبرونهم جزء من العائلة ، قد غدروا بهم واي غدر ، مستغلين حالة السيدة الصغيرة يعتدون عليها حتى تحمل !

تقدم منه يشد على رقابهم و يصرخ برذاذ فمه : اعترفووووا قولوا لي ما حصل من دخل من فعل ذلك من اعترفوووا يا اوغاد اعترفوا

: يحي اخلع لهم سراويلهم  قالها وهو يلهث من غضبه فالآن سيرون حقا ما سيفعل بهم كيف سيسلبهم رجولتهم التي اظهروها على فتاة معاقة لم تقدر الدفاع عن نفسها ، كيف يظهرون رجولتهم على اهل بيته وعلى امراة تخصه هو .. كيف !

اخذ الجميع يرتعد ويصرخ : لا سيد شعيب والله لم نفعل شيئا والله

ولكن لابد ان ينتقم لكرامته وكرامة عائلته : تعرفون ماذا يحصل لمن يعتدي على عرض سيده ، اخصيه !

 

كان يتقلب في مكانه يحترق ، هناك نجلا التي تركها في القصر ولا يعرف حتى الان كيف كانت رد فعلها ، الا يعرف نجلاء !

نعم يعرفها ، كيف لا وهو يعرف كيف يفتش عن تاريخ الاخرين ، الاخرين الذين يخصونه خاصة ، هناك وجد شيئا لم يرقه ، شيئا جعله غاضب منها ، شيئا جعلها تكون من هي عليه الان !

فتح عينيه والقى برأسه الى الخلف ينظر الى تلك التي تدفن نفسها بين الاغطية التي تغطيها بالكامل

كانت ملتزمة معه بتصرفاتها اشد الالتزام ، لم تضايقه ، لا ترد الا اذا تحدث معها في الضروريات .

كيف تلاشى جمالها امام عينه وظهر محله نوع اخر من الجمال الذي يغريه و يجبره على تحمل نفسه كرجل امامها ، تلك القصيرة العنيدة ، نعم تلك هي المؤثرة التي جعلته وحتى وقت قريب يغير الكثير فيه ، هو من ساعتها لم يضاجع امرأة اخرى ، يصبر نفسه عليها ، يريدها ان تأتيه من تلقاء نفسها ، يريدها ان ترغبه كما يرغبها ، يريدها ان تمد يدها له وتقول : نعم ها انا ذا ملكك !

من ساعتها وقد اقضت مضجعه ، لا يفكر في امرأة سواها رغم كل ما حدث بين العائلتين ورغم عنادها فهو قد بدا رويدا يفقد صبره ناحها ، يريد ان يشفي غليله فيها ولذلك هو لم يرى تلك الاميرة النائمة من تحمل من الجمال ما يفوق  نصف نساء الارض !

اليوم سيصل والدها وسيصل معه الصبي !

هذا هم آخر ، كيف سيتدبر امر والدها ، كيف سيقنعونه بأمر ضرورة ان تخرج معه الى وطنه ! ، كيف سيقدرون على السيطرة على انفعالاته فلربما ذهب ليبلغ عنه !

اخذ نفسا عميقا وقرر هذه اللحظة ان يقوم من مكانه و يذهب الى حيث جاريته !

اهتز السرير بثقله ما جعلها تفتح عينها بوجل ، فهي منذ اصبح يحرسها بعينيه تلك لم تعد تستطع النوم الا وجفلت مع كل حركة يقوم بها ، تقابلت عيناهما

كان شعرها منسدلا يظهر من تحت الغطاء في فوضى و نعومة و غزارة قل مثيلها و جهها وطن آخر لا يستطيع وصفه ، كانت جميلة نعم تفوق كل النساء اللاتي رآهن في حياته جمالا و انوثة ولكن مع تذكره لديانتها اصبحت تعافها نفسه ، لم يعد يحتمل ان تكون يهودية بعد الان و لم يعد يريدها ان تكون يهودية !

اغمضت عيناها في ضيق و حزن : ماذا تريد مني ؟!!

تخشى ان يجعلها من جديد ملكه ، ان ينام معها الان رغم انفها وهذا تؤمن حقا انه يستطيع ان يفعله ، فلا تنقصه الشجاعة ولا الوقاحة ولا القوة كي يفعلها ، لكنه كان يفكر بشيء آخر حين رأت شفتاه تتحركان : اكره انك يهودية و اكره ان انام معك وانت هكذا !

فتحت عينها برعب انقلب لاستغراب : غريب امرك ، من كل تلك النساء اللاتي في قصرك اليست اكثرهن غربيات !

اليست لهن ديانات اخرى !

اليس مسموحا في دينك ان تتزوج اليهودية والنصرانية

كانت عيناه تمسحا وجهها وهو يحدق في شفتيها اللتان تنطقا بكل تحد ، خرجت من حنجرته .. هه .. من قال لك اني انام مع تلك النساء في القصر ؟!! أتحللين الامر من رأسك !

لعلمك انا لم انم الا مع العربيات و المسلمات فقط !

هنا بانت اسنانها وهي تتحرك لتقوم قليلا من فراشها تضحك وهي تلملم شعرها : اخ يا الهي و تشعر بالفخر انك تضاجع العربيات والمسلمات اللواتي هن متدينات بلا زواج !

كان يعرف ان هذه ستكون رد فعلها حين فتح عينه فيها يقهرها : هؤلاء كن زوجاتي وفيما عاداهن هن مجرد سبايا وجاريات وملك يمين مثلك مثلا !

بهتت ضحكتها و شحب وجهها و سقط قلبها ، يهينها يعرف كيف يسلط سيفه و يقطعها الى قطع صغيرة ، تشعر بالسخف امام ما قاله تشعر بالعار و الدونية ، اذن نساء وطنه هن السيدات وهي الجارية و التي يضاجعها اينما وكيفما ومتى اراد دون اي رباط شرعي ، بالنسبة له الشرف في بنات جنسه ولغيرهن هن فقط ساقطات لا يصلحن له !

كان يرى كل ما يمر على وجهها ، ذلك الشحوب و الشعور بالاهانة ، فضحك هو هذه المرة : قلت لك غيري ديانتك اعتنقي الإسلام و ستكونين زوجة مثلما ترغبين !

رفعت عينها فيه ، انه يؤذيها ، ويدوس عليها مرارا ، خرجت الحشرجات من عنقها كالميتة وهي تضع يدا على رقبتها كانها تريد للكلام ان يخرج رغما عنها : لن اغير ديانتي و افعل ما ترغب !

رمت بنفسها على الفراش من جديد وهي  تنظر الى السقف ، كان يرى الدموع تتسرب من عينيها لتسقط على الوسادة ، كانت بالكاد تتنفس ، كانت هادئة جدا ، فقط الدموع التي تعبر عما في نفسها ، انه يضغطها بكل ما اوتي من قوة ، ضغطه عليها بالكلمات اشد على نفسها من ضغطه باليدين !

: راعيل انظري لي : انت لست المرأة الوحيدة الان في حياتي ، انا تزوجت !

قام من السرير و هو يعطيها ظهره و يذهب ليفتح الستائر لتغمر الشمس الجناح : تكونين مخطأة ان فكرتي انني انام مع كل من هبت ودبت على الارض ، تكونين مخطأة حين تفكرين فيّ كأنني رجل بلا مباديء ، لدي اعمال ، نعم ، اعمال لابد منها ، ولكن اي عمل في هذه الدنيا له اصول و له مباديء وانا اسير عليها حتى لو كانت التجارة في النساء !

النساء بالنسبة لي لسن فقط للفراش هن لاعمال اخطر من ذلك بكثير انت لا تفقهينها !

لذلك اخر مرة اسمعك تكررين هذا الامر علي !

هل فهمتِ!

كانت مقهورة تموت من قهرها كيف يجعلها تشعر هكذا بكلمات بسيطة تخرج منه ، هي ايضا ستشبعه قهرا ، خرج صوتها مبحوحا : خذ تاج وسافر به لوحدك !

التفت عليها يفتح عينه و يرفع حاجبه استهزاءا : حقا انك يهودية ، تريدين ترك ابنك !

لم يعر حديثها ثقلا ولا اهتماما يعرف تماما انها تحاول الدفاع عن كرامتها التي سحقها للتو ولكنها تابعت : خذ الصبي ولست مجبر ان تتزوجني ولست مجبرة ان اغير ديانتي ، اغلقت عينيها تريد ان ترتاح

انت لا تعتقد ان حياتينا متوازيتين ، لن نستطيع ان نتصالح مع ما نحن عليه ، انت لن تتصالح مع ديني وانا لن احب ان اعيش مع رجل مثلك ، كلانا سيخسر الكثير من اجل الضغط على الاخر !

ارتخت وهي تقول اخر كلماتها في ثقة : لا مجال للحياة الهانئة سويا ، انا لست ممن يحببن المشاكل ولست ممن ترغب بالجاه ولست ممن تحب رجلا متسلطا مثلك

لكنه عارضها ، كان يقف هناك بطوله الفارع و بجامة نومه التي ارتداها فقط من اجلها فعادتا ما ينام شبه عارٍ ومنذ ايام لم يحلق لأنه ليست لديه النية للحلاقة فهناك هموم على قلبه تثقله ، وضع يده على لحيته يمسح عليها : هذا رأيك أنتِ وليس بالضرورة هذا ما اشعره ، الصبي سيحضر اليوم و سنعود بعد يومين الى البلاد فلا اريد جدالا تافها مثل هذا ، انت امه وهذا واقع وانا لن اقوم بتهريبه عبر الحدود من دونك فهو لا يعرفني ، ضعي كل تلك الامور في رأسك ولا تتسرعي في  قراراتك ، ان يكون الطفل تحت عينك افضل من اي واحدة اخرى !

اما الامور الفرعية الاخرى والتي هي بلا طعم سنناقشها سويا حين نصل الى هناك بأمان .

اعطاها ظهره

وصار هناك يحدق في الخارج صامتا !

التفت عليها بعد ان اشبع نظره بمنظر المدينة و تشبع بالشمس التي تسلطت على وجهه لتدفأه : استعدي كي نذهب الى المطار ونحضر اهلك !

 

 

في بيت المجدلية

اليوم تقوم سكينة و ناجية بزيارة شقيقتهما ، هما تفعلا ذلك غالبا عندما يلتهي شعب هذه القبيلة عنهن وعن حياتهن ، يفلعن ذلك دون علم احد منهم حتى هارون الذي تدسن بيته لا يعلم عادتا انهن في بيته ، يجلسن سوية في مجلس بعيد عن سمع وبصر ذلك المجنون و تركن امر العناية به لباتريشيا التي تجلس على عتبة الباب تنتظر منه اي اوامر

في مجلس الفتيات حين تناولت المجدلية هاتف سكينة وهي تضحك على ناجية : هاته هاته لابد ان ارى ذلك العراك الذي جعل رأس هذه العائلة في التراب

بينما اخذت ناجية تغضن حاجبها لا يعجبها تندر اختها عليها وهي تشرب فنجان القهوة : ابن الحرام يستحق ما حصل له

فيما كانت المجدلية تنظر الى الفيديو المصور والى العراك الطاحن الذي حصل ثم الى صراخ عمتها وهي تولول اخذت تضحك بقوة : اخ يا الهي يا لك من محظوظة ما كل هذا الاكشن الذي فعلته

اخ ياربي

ترد عليها سكينة وهي تمسك بالهاتف ثانيتا : لا ادري كيف يقول الناس انها تفعل ما يسيء لسمعتها فمن الواضح كيف ضربته وكيف تبصق في وجهه ، هل هو هذا نوع الحب الذي تقع بسببه المشاكل

: عزيزتي ناجية اهنئك من قلبي على شجاعتك فامراة غيرك كانت فعلا لتكون ضحية ، من الواضح انه يفوقك قوة !

تركت ناجية فنجان القهوة وهي لم تعد تهتم لهذا الموضوع الذي حقا لم ينته ولم ينساه الناس في ايام ولا حتى شهور : الآن كل همي ان احضر الاطفال الى البيت لا ادري ما تفعله بهم جدتهم المجنونة ولا ادري كيف تتعامل معهم و رؤوف ليس هناك!

: كيف سينتهي الامر الذي دبره شقيقك لرؤوف ، فالتهمة لا تحمد عقباها أبدا قد يموت رؤوف !

 

اغمضت عيناها ناجية لهنيهة ، كيف لا تفكر في هذا ، كل الامر انها لم تعد تشعر بشيء فلقد فقدت حاستها و مشاعرها تجاه كل شيء و المؤيد لم يوفر شيئا فضيعا الا فعله كي يدمر الباقي من حياتها !

تركت الفنجان من يدها وهي تضعه على الطاولة في هدوء : انتِ اخبرينا عن حياتك مع هارون !

تركت هي الاخرى الفنجان من يدها و هي تتلفت حولها في ضيق تقول بمرارة : والله لولا ان اهلك غاضبين مني لتركته ولرجعت الى البيت !

نظرت اليها سكينة التي تأكل قطعة من الكيك الذي احضرته معها : تندمين الان بعد كل تلك السنين ، ثم خطر في بالها خاطر فقفزت من مكانها تضرب يديها ببعضها حتى صدمت شقيقاتها : قولي من تزوج ؟!

فتحت عينيها في عيني اختها تريد منها ان تحزر من تزوج من العائلة !

قالت بدون اهتمام : من سيتزوج يعني ؟!! ولما سأهتم !

صرخت سكينة في وجهها وهي تضرب على فخذها : آيدين تزوج تتخيلي !

لا تدري لما انسحب الدم من وجهها تلك اللحظة ، آيدين تزوج ! كيف ومن ،ألم يتب عن الزواج ، ألم تكن هي المرأة الاخيرة في حياته ومن بعدها تاب عن النساء !

دق قلبها ببطء شديد و شعرت بالحزن يجتاح روحها ، ألم يكن من العدل ان تكون هي في مكانها الذي تركته ؟!

ماذا جنت من وراء هروبها مع هارون الا العار ثم الدمار ؟!!

انزلت وجهها الى الارض و هي مصدومة حتى تهدل شعرها و اخفى ملامح وجهها التي تفصح عما حدث في روحها من شرخ : ان رأيته باركي له !

اما الاثنتان صارتا تنظران الى بعضهما البعض حتى نطقت ناجية : ولما انت حزينة ، هل ندمتي على تركه !

رفعت وجهها متفاجآة من استنتاج شقيقتها : قوليها و اعترفي لنفسك انك افسدتي كل حياتك من اجل ذلك الحيوان الذي بالداخل !

حملقت المجدلية في عيني ناجية تحذرها : ناجية ارجوك احفظي حدودك !

هنا تدخلت سكينة بعنف : تعتقدين اننا لا نرى وجهك ولا نسمع صوتك ، انت لم تعودي المجدلية التي نعرفها قد بهتت روحك و انطفأت لمعة عينيكِ، نعلم انك غير مرتاحة مع هذا المعتوه ، الا تعتقدي اننا نستنتج ايضا ما يفعله معك على غرار ما فعله اثناء الحرب !

تقلبت المجدلية بعينيها في كل مكان ، هي تعلم انهن على حق ، ولكن ما الحل ، فلا هارون راض ان يرجع لطبيعته ولا اهلها راضون ان يستقبلوها : ما الحل ، قلن لي ما الحل ، اهلك لا يقبلوا بالتفاهم معنا لا يريدون رؤيتنا ، وانا لا تسمح لي كرامتي بعد كل ما حصل ان ارجع لهم خصوصا المؤيد ، الا تذكرن ما فعله بي في الشارع عندما هربت مع هارون !

كانت تلك ذكرى من احقر ما يكون في حياتها حين كان المؤيد ياخذ سكينة وناجية ذلك الزمن الى احد الاسواق وفي الطريق لمح احداهن ، انها هي تلك الحقيرة الفاسقة انها المجدلية ، اوقف السيارة حتى ارتطمت الفتيات في ابواب السيارة لا يعلمن ما حصل الا وهو يجر امرأة من شعر رأسها و يضربها بكل ما يملك من قوة قد مرغها في ارض الشارع و لم يكتف بذلك بل جرها من شعرها مثل الدابة على  الارض حتى شوه لها خدها و هي تصرخ و تستنجد ، ولكن الناس قد تجمعوا مصدومين مما يحصل ولم يجرؤ احد على التحرك و فك الرجل عن المرأة : اتركني الحقوني اتركننييييي آآآآآآآآآآآآآآه

جلست شقيقاتها في السيارة لم يستطعن الحركة كان البكاء هو الحل الاول والاخير معهن ، فمع المؤيد لم تجرؤ اي منهن على فتح باب السيارة والخروج و الدفاع عن شقيقتها ، شقيقتهم التي تمرغت حتى تقطعت ملابسها و لم يكتف الا وهو كسر لها ساقا و ذراعا وشوه وجهها الجميل ، نقلت المجدلية الى المستشفى و لبثت فيها ما يقارب الثلاث اسابيع ما بين رضوض و كسور و تشوهات !

كيف لا يذكرن ذلك فما فعله بها المؤيد وكأنه ثأر بينهما !

ربتت سكينة على كتف اختها بحنية : الوقت قد تغير و العائلة تعرف تماما ما يمر به هارون ، ربما من الاجدر لو تحدثتي مع عمي صالح اولا فلربما يجد لكما حلا مع العائلة ، فهو له كلمته على عمي امحمد و ابي ايضا وعلى اخوتك !

نظرت لها المجدلية ببارقة امل ، نعم لما لم يخطر عمها صالح على بالها فربما ينصلح حالها على يده ان قبل هو ايضا رؤيتها والتحدث معها !

تنهدت وهي تقوم : سأحضر العصير ثم نجلس لنقرأ الفنجان !

في تلك الاثناء وصل الى هاتف سكينة رسالة من زهرة تفاجأت منها فمن النادر ما يتراسلن ومنذ ما حصل بسبب يحي هن لم يتحدثن مع بعضهن بالمرة .. فتحت الرسالة .. وجلست هناك مصدومة و عينها تقطر الدموع

وهي تقرأ الحروف الضبابية  .. مبروك يحي قد تزوج ...

 

 

في نفس المكان على بعد امتار قليلة

في المكان الذي كانت تجلس فيه باتريشيا ، صوفا باللون العاجي و امامها طاولة بيضاء عليها تحف و فازة للورود ، كان امامها كأسا ، غالبا ما كانت باتريشيا ايضا تشرب الكحول وخاصتا المارتيني ، تنسجم مع اي كتاب في يدها او تفتح على صفحات الانترنت و تقلب فيها حسب المواضيع التي تهمها ، هنا كان بين يديها هاتفها النقال وكانت تفتح على موقع لدكتور معروف في عمليات التجميل و التخسيس فهي تفكر حقا هذه الايام ان تقوم ببعض التعديل على خلقتها ، ان تزيد ربما حجم شفتيها او تشد عينيها وتجعلهما كعيني القط او ربما تكبر مؤخرتها !

اففف تأففت وهي ترمي بالهاتف من بين يديها على الاريكة جانبها و تدير رأسها الى انحاء المكان ، كان البيت قمة في الفخامة و العصرية ، الاثاث الابيض المتوزع في كل زاوية و التحف الفخمة و الطاولات و نظافة البيت و سعة غرفه و ابوابه العملاقة و نوافذه الكبيرة التي تدخل منها كل روائح الزهور التي في الحديقة الرائعة الجمال !

ترتاح هنا في هذا البيت نعم تفعل فهي لا تعمل الا الضروري و السيد هارون غالبا اصبح صامتًا هذه الايام ، هي لا تعلم تماما ما جرى بينه وبين زوجته المرة الفائتة فهي كانت على موعد و خرجت ثم رجعت لتجد المجدلية تقوم بتنظيف غرفته وحمل بعض التحف و كرسي مكسور خارجها !

حين تنظر اليه الان كانت تراه جالسا على كرسيه بين يديه كتاب مشدود اليه و منسجم فيه وهي قد كانت بعد شربها المارتيني عدة مرات وبجانبه كأسين من الوسكي تشعر بالدوار فأرادت ان تتحرك من مكانها كي تنشط قليلا ولكنها علمت انها سكرانة ، اتجهت الى غرفته الى حيث يجلس

ولجت فرفع رأسه ينظر اليها ، لم تتكلم فقد كانت تحاول التوازن وهو ينظر الى عينيها ، لم يكن غاضبا وهذا يريحها : ألن تدعني الى الداخل

كان رأسها يدور ولم تركز في شيء : انظر الى نفسك ايها التعيس ، حراااااام ، سيد هارون .. غني .. أحبك أن تغني !

قالتها وهي تكاد تقع على وجهها : تبا لقد سكرت ، ههههههه ، اخذت تضحك وهي تهذي .. تبا لقد سكرت حقا !

رمت نفسها على الكرسي امامه وهو اغلق الكتاب ينظر اليها بعمق : ستنهي حياتك فوق كتاب ، الا يجب ان تنهها وانت فوق امرأة افضل هههههههه

لم تتوقف عن الضحك بل قالت من بين دموعها : هارون المثقف الأمير أستنهي حياتك على هذا الكرسي البغيض !

توقفت قليلا وهي تحاول ان تبلع ريقها : اسفة اسفة حقا لقد شربت كثيرا !

اخ .. لوت عنقها و اغمضت عيناها وهي تمسح دمعة اخيرة انزلقت الى خدها !

صارت تتكيء على الكرسي شبه نائمة ، اما هو فكان قد شبك يديه تحت ذقنه وهو ينظر لها على تلك الحالة ، في حياتها معهما قد سكرت مرة واحدة على ما يذكر ، ذلك الوقت كانت راجعة من مكان ما ، كانت مرعوبة وكانت متعرقة وجائت وكأن الشيطان كان يلاحقها ، ذلك اليوم اثقلت في الشرب حتى داخت ونامت على الأرض !

سمع حروفا تخرج من بين شفتيها المستكينتين : لو كنت مكان زوجتك لكنتُ سممتك و تخلصت منك !

رفع حاجبا واحدا و انزل يده الى طرفي كرسيه ثم رفعها الى شعره يسرحه بأصابعه : لا ادري كيف تتحملك حتى الأن ، انا التي لم اعش طويلا معك امقتك واتمنى موتك اللحظة قبل اي لحظة اخرى ، يا صبرك يا مجدلية يا صبرك أوففففف !

كان شعرها ثابتا فوق جبهتها و تحت عنقها ملتويا لامعا و وجهها خال تماما من المساحيق فكل شيء فيها كان جميلا وكان ورديا ، ملامحها الغربية و لكنتها المعوجة و جسدها المتفجر و كل شيء فيها سيكون جبانا و سيخذل الرجال ان قال يوما انها لا تعجبه ولا تغريه !

كيف لاوهو من كان اميرا وكان سيدا على مئات النساء ، كان سيدا على من بعن نفسهن له و رغبن ان يكن زوجاته او ملك يمينه اثناء تلك السنوات الاربع التي كان فيها يتصدر تنظيم الدولة ، كم امرأة من تونس ضاجع وكم امرأة جاءت من بريطانيا تؤمن بقضيتهم وكم امرأة تم جلبها وبيعها و تسليمها للأمير قبل التخلي عنها !

هو رأى من النساء غير المجدلية اشكالا والوانا من الشرق والغرب ولم يوفر احداهن ولم يترك لا الجميلة ولا القبيحة !

ليس امرا سيئا البتة ان يكون الان اسير اثنتين بجمال المجدلية و جمال باتريشيا ، رغم رعونة النساء و قصر نظرهن الا انهن مثل الورد الزاهر يحبهن ويحب معشرهن ، لكن منذ ان قُطعت ساقاه وهو لم يعاشر لا المجدلية ولا حتى كرسي !

لم يتحرك بل كان يرجع بذاكرته للوراء فقط ، لم يعد يهمه المستقبل فكل حياته كانت في تلك سنوات الجنون او سنوات الضياع التي صال وجال في كل بقاع الوطن فيها ، يقتل هذا وذاك و يطلق الصواريخ و يأمر و ينهي و كانت بيده البلاد من مشرقها الى مغربها . وهذا كله قد انتهى ولكن اثره لا زال في نفسه قائما ، فكر ان يكتب سيرة حياته وكل ما مر عليه اثناء الحرب بالتفصيل ، نعم هو يكتب للرجال انه ضاجع نسائهن و يكتب للوطن انه قد فقد عذريته على يده و يكتب للنساء .. اخ ماذا سيكتب للنساء فلا شيء سيفي النساء حقهن !

أيكتب انه قد رملهن ، أنه قد شردهن ، انه قد اغتصبهن ، انه قد تمتع بهن ، ماذا سيكتب حقا !

استدار بكرسيه وهو يتجه نحوها ، تلك التي نامت و رأسها معلق على ظهر الكرسي تكاد ان تشخر ، اقترب حتى كادت ركبتاه تلامسان ركبتيها ، اهدابها الطويلة التي تعانق خديها الورديين ، و شفتاها المنتفختين وذقنها الدقيق و بشرتها البيضاء الصافية و عنقها الطويل المثالي و صدرها المشدود المنتفخ هكذا امام عينيه و ترتدي بنطالا مقطعا وممزقا يظهر منه نقاء جلدها ، ربما ستكون باتريشيا اخر امرأة سيفكر فيها لأنه يكره لسانها السليط و حقدها عليه و يكره طفرة الجنون التي تباغته بها كل فينة و اختها ، هي من تحاسبه دائما وهي من تقف بوجهه وهي تكاد حتى ان تضربه ، يكره كل ذلك الجبروت الذي فيها ، كأنها تستمتع احيانا بإهانته و هي تعلم تماما انها ستهرب قبل ان يضربها او يصل اليها بيده

هي تستغل عجزه لتقول كل ما تكرهه فيه في وجهه ، لم تنافقه على الاقل !

هل يستغل جلستها هذه الان امامه و يصفدها بيديه ويجعلها اسيرة حتى تعترف انها حقيرة ؟!!

كان يفكر الآن ان ينتقم منها بجلستها هذه امام وجهه وهي تائهة هكذا غائبة عن وعيها ، تمنى ان يصفعها حتى يشفي غليله منها ، ان يطرحها ارضا و يقفز فوقها عدة قفزات حتى تخرج امعائها من جوفها ، ان يمسك سكين و يشرّح وجهها الذي تتباه به !

تبا لك يا باتريشيا ماذا انا فاعل بك الآن !

فما من امرأة في حياته تجرأت عليه سوى هذه الغربية المقيتة التي تظن ان حريتها المزعومة جديرة ان تنقذها من بين مخالبه !

فتحت عينيها تلك اللحظة و فطنت لنومها و وجع رقبتها فانزلت رقبتها رويدا وهي تتأوه وهنا تلاقت عيناها الناعستين بعينيه الحاقدتين و ابتسامة جانبية شريرة تزين مبسمه ولكن ما حصل يختلف تماما عن رد فعلها الذي توقعه ، اقتربت من وجهه على مهل : تدري انك جميل اليس كذلك

نفث من انفه نفسا شديدا وهي تكرر : تعلم انك جميل اليس كذلك ؟!

قال بكل بساطة : انت مخمورة في عز النهار !

مدت يدها و امسكت بقمة قميصه تداعبه : هل يضايقك ان سكرت !

فك يدها و ابعدها : تعلمين بما كنت افكر وانت قريبة هكذا !

خرجت طقطقة نفي من بين شفتيها : لا .. لا اعلم ، هل كنت ستقبّلني !

ضيق عينيه : لا ، بل كنت سأخنقك !

لا يدري كيف يتحاور معها هكذا بكل هذه البساطة في هذا الوضع القريب جدا ، لا يعلم كيف يطاوعها ويميل مع ميلها في الحديث : هل لأنكِ ضاجعتِ احدى عشر رجلا في حياتك تتمنين الان شيئا مماثلا !

ردت بلا مبالاة : لما لا !

فرد في مكر : تعرضين علي نفسك مثل العاهرات !

نسيتي السيدة التي احضرتك الى هنا من اجل ان تساعديها ، تريدي الان ان تضاجعي زوجها ، تبا لك من امرأة نجسة حقيرة

صارت تدور بعينيها في ضجر : اف هل ستمثل علي الان دور   الرجل الشريف ، لا .. تستشرف .. علي ..  يا سيد.. قالتها ببطء يقتل ، انا وانت نعرف ماضيك حق المعرفة فلن يضرك ان ضاجعت امرأة اخرى غير زوجتك ، منذ زمن لم انم مع اي احد ، اخخ يا ربي اشتاق لرجل فعلا افعل ، منذ زمن وانا لا ارى في خلقتي غيرك فهل ستمانع ان تمنحني هذا الشرف !

ردت وهي تمسك من جديد بقمة قميصه لم تعد تأبه لشيء فغريزتها الآن تدفعها ان تعرض نفسها عليه و اثر المشروب باق في عقلها لم يتزحزح ، ربما غدا ان فطنت لما قالته وفعلته كانت ستنحر نفسها ، لكن الآن هي لا تريد سوى حضنا ترتمي عليه !

قربت شفتيها من شفتيه وهي تغمرهما هكذا مندفعة تنتظر منه ان يدفعها عنه او ان يستجيب لها ولكن حتى دفيء شفتيها وحلاوتهما لم يحركا فيه ساكنا لعجبها ، فتحت عينيها مصدومة وهو يدفعها برفق  ويده فوق صدرها يوقفها عند حدها : قومي و اغربي عن وجهي لا اريد رؤيتك !

كان يحدق فيها وكأنه يريد قتلها حالا ، تبعثرت نعم تبعثرت لم تتوقع صده لها ، توقعت ان يرمي بنفسه عليها وان يبادلها الحب ولو لليلة واحدة فقط ، هي لا ترغبه كهارون ، هي ترغب الرجل ، فلو كانت مع اي احد الان لسلمته نفسها ، هي الان كانت تحتاجه ان يطفأ النار التي بداخلها ولكنه لم يفعل ولم يستجب .

فغرت فاها متعجبا : أي عاجز هو أنت !

قامت وهي تجرجر جسدها حتى اختفت خلف الباب وهو بقي صامتا يحدق في ظلها و يهمس لنفسه : غبية!

 

 

اما عن يحي الذي طرق ابواب جدته وهناك على اعتابه استقبلته شقيقته التي بدت مهملة لنفسها كثيرا هذه الايام ، صبا تبدو شاحبة ، لا بل صبا تبدو كمن خرجت من قبر ، السواد الذي تحت عينيها و الجفاف الذي شقق شفتيها و الشحوب الذي كسا خديها ، انطفأت صبا !

كانت متعبة لا تستطيع حتى ان تتحكم في مخارج الحروف وهي تعاني من الكل ، من ابيها و اخوتها و الصديق و امها فوقهم ، كانت تحكي وتريد حقا الا تحكي تريد ان تصمت ربما الى الابد : هل رأيت ماذا فعل والدك بنا ، أبي يا يحي مستعد ان يضحي بنا من أجل ميادة و الصديق !

اغمضت عينيها و هي تتابع : امك منذ يومين لم تفتح لنا الباب ، أبوك قد حطم أمي حطمها !

كان يهز رأسه رافضا لكل ما حدث ، فقد والده السيطرة على اعصابه و اهان امه وهذا شيء لا يرضيه ولن يسكت عنه ولن يترك امه وأخته تعانيان هنا بينما تلك ميادة تنعم بوالدهم !

: صبا ، مالذي غير رأيك تجاه الصديق ، قد اتفقنا معك و اتفقنا مع الصديق ايضا فلما الان هذه الثورة التي بلا معنى !

وضعت يدها فوق وجهها وهي تنتحب ، صبا لم تعد تحتمل كل هذا الضغط من اهلها عليها : أنا اكرهه لا اطيقه كيف سأعيش مع شخص مثله كيف افهمني كيف !

اقترب منها شقيقها و غمرها في حضنه ، لكن ان اخلو بالاتفاق فهناك خطر على شقيقه شعيب وهذا مالن يجعله يحدث مهما كلف الامر ، شعيب ستنهي هذه القبائل نشاطه و ربما حياته وهو لا يريد هذا لهما معا ، لأنه ان خطر على بال احد المساس بشقيقه فهذا معناه حرب مفتوحة بكل ما اوتوا من قوة ، بالاغتيالات بالقتل المباشر بالاختطاف بالتدمير والتهجير ، كل شيء سيصبح مباح ، لإن اخوه متهم بقتل الصادق شقيق الصديق و قبيلة الصديق والقبائل الداعمة لهم سيعملون على تركيعهم وهذا مستحيل على انوفهم مهما حصل !

صبا فقط بالاتفاق تستطيع ان تدفن ثورة الصديق بيديها و أن تعرف تماما مالذي يخطط له من وراء ظهورهم !

شد كثيرا على كتفها ورأسها يرقد على كتفه ، همس لها : هل لا زلت تفكرين بمنذر لذلك انت ترفضين الصديق !

صبا افهميني ، نحن لم نطلب منك الزواج من الصديق اعتباطا ولا بلا سبب ، قلت لك سابقا اننا نحتاجك في بيته ، هناك من يجعل من الصديق لعبة له و يحركه كما يرغب و نريد منك ان تعرفي لنا من هي تلك الشخصية التي تحاول الضغط علينا و التلاعب بنا ، هل فهمتي يا عزيزتي !

كانت تفهم كيف لا تفهم ، كل شيء على المحك وكل شيء أصبح فجاة مرتبط بها وبنشاطها ضد عائلة الصديق ، ان تنبش الارض من تحتهم وان تحتل بيتهم هو هذا ما يطلبون منها فعله : أفهم يا يحي أفهم ولكن علي ان اتقبل ان اراه كل يوم و اعاشره كي استطيع ان اتحرك بحرية ، انت تريد مني ان امثل ، لكن هذه حياة يا اخي ، حياة كاملة ستضيع فقط في التجسس و النزاعات ، لا اعرف مدى الامان الذي سأشعر به كي أعرف ما تريدون !

قامت من حضنه وهي تجمع شعرها و هي تنظر الى عينيه بثقة : امر المنذر بالنسبة لي قد أنتهى ، استدارت برأسها بعيدا وهي تقول بحزن قلبها : قد كان حلما و انتهى !

تعال تعال تكلم مع امك ربما تفتح لك الباب و تتحدث معك !

قامت وقام يلحقها ، لم يكن البيت حقا كبيرا ، يتكون من طابقين فقط و صغير الحجم مقارنة مع بيوتهم التي يسكنونها الان ولكنه ورغم ذلك لا زال حميميا ولا زالت رائحة جدتهم العبقة تغمره وتغمر أنفاسهم ، لا زالت زواياه تحمل ذكريات حياتهم قبل ان ينتقلوا منه ، لا زال الوقت هنا لم يتزعزع !

كانت صبا تدق بأطراف اصابعها على الباب : امي ، افتحي يحي هنا !

لم يكن هناك اي رد فهي في الداخل تحاول جاهدة ان لا تبكي ، كرامتها لا تهن عليها ان تبكي بسببه او بسبب صفعته !

كانت تحاول طوال الوقت ان تحكم العقل ولكن أصبح كل شيء يدفعها دفعا الى الطلاق ، في الحقيقة لم تعد تهتم لان تكون زوجته مرة اخرى ، ان كانت العلاقة بينهما اسرار و عذابات فلما سترجع له ، لم يكن صالح منفتحا بأفكاره وعقله معها ، يختبأ دائما منها و تعرف ان هناك مالا يسر في حياته ، هي زوجته تشعر به وتحس كل ماعلى وجهه من آثار هموم و تفكير ، تدري ان القلق يسيطر عليه ولم يفصح يوما عما يصيبه ، كثيرة هي اسرارك يا صالح وانا لم يعد لا العمر ولا الصبر يساعداني على فهمك !

تسمع صوت صبا ولم تتحرك ليس لديها النية في الكلام ولا في قول ما تفكر به لاولادها ، رغم ان قلبها قد خفق لمجيء حبيب قلبها يحي .

هذه المرة سمعت صوته : امي أفتحي الباب فلدي خبر سيسرك ان تسمعيه

قامت من فراشها وهي تتأهب لما يحب ان يقول ، لا تريد حقا ان تفتح الباب لأنها تعرف قدرة هذا الفتى على الاقناع فلربما سيأخذها من هنا راضية وربما ايضا سيجعلها تعتذر من والده !

لا لا لن تفتح لكنه قال : امي غالية رجعت الى البيت !

فغرت فاها و فتحت عينيها ، ماذا ،، ماذا يقول ،، في تلك اللحظة قامت بسرعة الى الباب تفتحه على مصراعيه ، كانت تحدق فيه ، في ذلك الرجل الوسيم الذي انجبته ، لمعة عينيه التي تعرفها قد عادت انها هناك و ابتسامة تكسو شفتيه ، يحي كان سعيدا ، وهي قلبها يكاد يقع بين ساقيها ، هل جن يحي ، هل جن ابنها الحبيب همست له و صبا ايضا كانت تنظر له مفجوعة : يحي ماذا تقول ؟!!

كان مستعدا ان يحمل امه بين ذراعيه ويدور بها في الانحاء وهو يطير من شدة سعادته : غالية قد عادت يا امي عادت !

التفتت على ابنتها صبا و تقابلت النظرات القلقة حين خرجت كلماتها متقطعة : ألم تمت ؟!! ألم نحضر جنازتها ؟!! صبا انتِ قد دخلت عليها في المستشفى أليس كذلك !!

هل فقد يحي عقله تنظر له في لهفة لا لا تريد لابنها ان يجن لا فهذا سيفقدها عقلها اخذت الدموع تنزل على خديها : يحي هل انت جاد ، هل تعرف ما تقول يا حبيبي !

اخذت بوجهه بين كفيها تنظر الى عينيه بعمق هي تائهة يحي يتحدث بثقة عن عودة امرأة دفنوها بأيديهم ، نعم يحي لم يحضر جنازتها لكنها هي وصبا فعلتا ، حين نقلوا غالية من الشارع الى المستشفى الذي توفيت فيه بقيت هناك يومين حتى عرفوا احد ليتعرف عليها ، فيحي بعدما ضربها في الشارع تركها ولم يسأل عنها و ضل يومين في غرفته يكسر و يحطم و يسب و ينفجر لانها خانته لانها حملت من غيره ، لكن مالم يعرفه يحي انها تعرف هي وصبا ان ما في بطن غالية كان كيسا مائيا نما وكبر في بطنها و كانت على وشك عمل عملية لإزالته تلك المسكينة ، يحي تم اللعب بعقله ، زكريا اوحى له ان غالية حامل منه ولم يصدق الا بعدما رأى بطنها منتفخا هكذا فلم يحتمل لم يصدق فقد عقله بالكامل ، غالية تلك الحبيبة ، حبيبة عمره التي انتظرها كي يعيش حياته معها تخونه بل وتحمل من ابن عمه كيف كيف جن جنونه و اخذ يضربها بلا رحمة صب جام غضبه عليها طرحها ارضا و صار يضربها حتى فقدت وعيها ولاحقا انفجر الكيس في بطنها و ماتت ، كل تلك التفاصيل لم يعد يحي يتذكرها ببساطة قد مسحها من صفحات حياته المتقلبة ، نسيها واتى بغالية جديدة ، الان امه بدات تشك في قدراته العقلية ، هل يجب على يحي اخيرا ان يرى طبيبا نفسيا !

دخلت بسرعة الى الغرفة تحمل غطاء رأسها وتشير لصبا بعينها : فلنذهب الى البيت !

لم يكن يعتقد البتة ان امه ستأتي معه بكل هذه البساطة ركبوا السيارة و هي تغلي لا تريد الجلوس تريد ان تجري كي تصل الى البيت وترى بام عينها ما يتحدث عنه ابنها ، من تلك التي احضرها الى البيت ، كيف تطورت حالة يحي !

لم تقل صبا التي جلست في الخلف قلقا عن امها ، ما يمر به يحي خطيرا ، نعم خطير ، يحي لم يجرؤ ان يخرج من الحالة التي اصابته عندما ماتت غالية بل انه يعيش الماضي كل يوم و يعيده ويكرره لم يتجاوزه ولم يعالج نفسه بحب غالية ، هي التي رأت غالية جثة هامدة على سرير المستشفى البارد ، عندما جاء زكريا ذلك اليوم كان يصرخ كان يبكي كان يندب ، نعم زكريا هو الاخر ندبها بل وهو يقسم انه سيحطم حياته وانه سيقلبها له  : شقيقك قتل غالية قتلها غدر بها وقتلها غالية ماتت ماتت بسبب اخوك قتلها بلا رحمة اخوك قتلني معها قد قتلني

كانوا هناك جميعا ينظرون له في ذهول : ساجعله يتعفن في السجن سانتقم لغالية سأنتقممممم تبا لك يا يحي تبا لك

كان صراخه يعبر ممرات البيت و يحطم بجبروتها كل شيء فيه

كانت الصدمة قد نزلت على اهل البيت مثل الصاعقة ، ارتعشت اطراف امه حتى جلست من ضعفها : لا لا لا يا يحي ماذا فعلت يا ابني

صرخت صبا : امي دعينا نرى غالية اريد ان اراها ماذا فعل بها ابنك قومي يا امي قومي

ركب شعيب السيارة وهو لا زال في دوامة ، تبا ماذا فعل شقيقه ، ان كان صحيحا ما تفوه به زكريا فحياة شقيقه ستنتهي !

اخذ يضرب عجلة القيادة بيديه كيف قتلت حبيبتك يا يحي ، اأحببتها لدرجة الموت ، لما يا يحي لما !

عندما وصلوا جميعا الى المستشفى اخذت فرائصهم ترتعد ، اغمض شعيب عينيه بقوة عندما اخبرته الطبيبة انه : نعم ولكنهم قد نقلوا الجثة الى الثلاجة هل تريدون رؤيتها والتعرف عليها

سقطت صبا ارضا لا تصدق و هي تبكي وتهز رأسها مفجوعة : لا لا لا اصدق لا لا

تقدم اليها شعيب ، هو يرى ما يحصل على وجه امه ، امه التي تماسكت ، لا تريد ان تفقد لا السيطرة ولا الامل في ان كل ما قيل غير حقيقي ، لا كيف لابنها ان يقتل ، ومن ، مخلوقة ضعيفة مثل غالية ، الفتاة التي عشقها و تمناها ، الفتاة التي حارب الجميع من اجلها ، قتل غالية كيف !

 

الان وصلوا الى البيت خرجت الاثنتان على عجل و دخلتا البيت ، هو لا يعرف ما سبب كل هذه الفوضى ، ان عادت غالية فهو امر واقع عليهم تقبله و هذه المرة ستعيش معهم والى الابد هذه المرة لن يفرط فيها : يحي اين هي ؟!

قالت امه بلهفة

كان يمشي امامهن ويتبعنه وكانت اقدامهن تسابق الريح والقلق باد على محياهن حتى وصلن الى الجناح الذي تسكنه تلك الصغيرة

تنفس الصعداء فهو حتى اللحظة لا يصدق انها هنا وانها قبلت ان تجيء معه ، هو ليس مجنونا ولا يتخيل ، انها فعلا هنا !

فتحت الباب ، كانت تقف خلف الباب بمظهرها البريء ذاك ، بوجهها الحبيب ذاك ، بقامتها الرفيعة ، بشعرها الطويل ، عيناها الخجلتان وشفتاها المرتعشتان ، انتقلت نظراتها من نظرات العم يحي الى نظرات من هن خلفه و وجوههن الشاحبة التي كأنها ترى شبحا ، ارتبكت منهم جميعا ، على ما يبدو لن يكون الأمر سهلا أبدا 

ازاحته امه عن طريقها وهي تقول : تعالي يا صبا وانت اغلق الباب !

تركهن مع بعضهن وهو اخذ ينتظر خلف الباب وكل جسده ينبض نعم ينبض فرؤيتها تقلب له كيانه ، رؤيتها تحييه ، تحي يحي العاشق ، يكاد قلبه ان يكسر ضلوعه : متى يا قلبي متى !!

ضلت هي واقفة اما امه فقد فضلت الجلوس و اخذت تنظر بعين ثاقبة الى تلك الصغيرة ، الى وجهها ، الى جسدها ، الى حركتها ، الى نبرة صوتها سألتها : ما اسمك !

كانت ديالا مرتبكة جدا فهي تظن انها في موقف لا تحسد عليه ، اخذت تجمع شعرها خلف اذنها ثم تكتف يديها الى صدرها : ديالا !

نظرت الام و صبا الى بعضهما البعض : كيف تعرفتي الى يحي يا ديالا !

لا تدري لكن الامر بدا كانه تحقيق لاثبات الهوية : عمي يحي اشرف على تربيتي انا و شقيقي !

فتحت كلتا الامراتين عيناهما ،، ماذا ، اشرف على تربيتهم !

تحركت صبا لتجلس بجانب امها مذهولة : احكي لنا ما حصل بالتفصيل ارجوكِ!

 

اما امام الباب وهو واقف هناك بقامته الطويلة ينتظر نتائج هذا اللقاء التاريخي ، هناك فتح عينيه ثم اغلقهما بقل صبر وهو يخرج انفاس بطيئة من رئتيه ، هن هناك ، الاثنتان زهرة و سكينة !

كانت كلتاهما قد تأنقت وكأنها ذاهبة الى عرس ، زهرة ترتدي فستانا ذهبيا مخصرا يصل الى ركبتيها و حذاء عال بنفس اللون و جعلت شعرها حرا يتهادى بين ردفيها ، والاخرى سكينة التي ارتدت بنطالا قصيرا حتى منتصف ساقيها و بلوزة حمراء الى خصرها مفتوحة قمتها الى مفرق صدرها و حذاء عال باللون الاسود و شعرها جمعته وانزلت خصلا متفرقة منه على جانبي وجهها الذي زينته كما ينبغي  ، كانت الاحذية وطرقاتها تتنافس على ممر الغرف ، تبا هو لا يريد الان اي فوضى امام هذه الغرفة ولا ان تسمع غالية ما قد تتفوه به هاتان المجنونتان !

اتجه لهن يوقفهن قبل ان يتخطين عتبة الغرفة يمسك زهرة من يدها بقسوة : لما حضرتِ واحضرتِ معك ابنة عمك !

كانت اسنانه تنطبق على بعضها من غيظه وهي تدير رأسها فيتحرك شعرها حولها و عيناها تطلق شرارا : تزوجت علي حتى قبل ان تدخل بي ولا تريدني ان افتح فمي بكلمة ، كثير هذا يا حبيبي كثير !

هزها مرة اخرى : انت نعم افهمك ، التفت الى سكينة التي ترمقه بنظرات معذبة ، كانت مصدومة ، لم تستوعب بعد الذي حصل ، يحي تزوج ، كيف وممن ، اذا اراد الزواج  فلما لم يطلبها هي بعدما حصل بينهما : اتتنكر لي الأن !

فتح عينه بقسوة فيها : سكينة اخر مرة حذرتك من التطاول ، قلت لك احفظي كرامتك و لا تريني وجهك ، ألم تفهمي !

كان يلتفت الى الوراء في كل مرة ، لا يريد لكل هذا الجنون ان يصل اليها ، ليس بعد !

تريد زهرة ان تتخطاه وهو يزيد من ضغطه عليها : قل فقط كيف كيف حصل هذا يكاد رأسي ان ينفجر ، إنها تشبهها.. تشبهها ..كيف فعلت هذا كيف !

كان صراخها يصمه فارتفعت يداه يغلق فمها و يضغط على شفتها : قلت لك اصمتييييي

الاخرى التي تهاجمه : تزوجت !! تزوجت امرأة غيري !

اخذت تضع يدها على فمها تسكت عبراتها ، والدموع تتقاطر من بين اهدابها وهي تقترب منه وزهرة تحاول ان تفك يده من فمها الذي يخرسه : كيف فعلت هذا بقلبي يا ابن عمي كيف ، الا تذكر ما حصل بيننا !

فتحت زهرة عيناها عن اخرهما وهي لا تصدق الى اين وصلت المواصيل بينهم : ماذا حدث بينكما !!

اخذت تدور حول نفسها يا الهي لا اصدق ما يحصل لا اصدق : لما تظلمني اذا كان في رأسك كل النساء ما عداي لما تزوجتني اذن لماااا

انت انسان حقير حقير ، انكمشت ملامحها و ظهر الحقد الاعمى عليها : ستطلقني يا يحي ستطلقني رغما عن انفك وبعدها سأنتقم منك أشد انتقام ايها العاهر !

امسك بقمة فستانها يشدها اليه للأعلى : اعلى ما في خيلك ستركبينه ، والطلاق حلما مستحيلا ، طالما تزوجتك ستظلين هكذا طوال عمرك فهمتي ، اطلقها حتى اهتزت في وقفتها ثم تابع : انا لم اتزوج حتى الان ولكن بسبب عنادك هذا سأتزوجها فقط عنادا بك !

: افعل ما تريد يا يحي افعل ما تريد مخطيء ان ظننت انني ضلع قاصر مخطيء تماما !

اعطته ظهرها وتركته هناك واقفا وجها لوجه مع سكينة التي كانت هادئة تنظر فقط الى ما جرى بين هذين الزوجين ، هي حقا لا تهتم لعلاقة يحي مع زهرة او علاقته مع كل النساء ، هي تريد منه ان يعترف بها ، ان يعترف بحبها ، ان يقول نعم انه يحبها ويرغبها ، ان اللحظة لم تكن محض رغبة فقط !

كانت ترفع وجهها فيه و الدموع تشق اخدودا على محياها و شعرها يتحرك مع انفاسها الدافئة : اتظن انك ببضع كلمات ستنسيني ما حصل بيننا !

التفت برأسه ولكنها اعادته اليها بطرف اصابعها و يدها التي لمست ذقنه لتجعله ينظر مباشرتا الى عينيها : هل تعترف لي انك لم تميل لي على الاقل بعض الميل !

لا يعرف كيف تستطيع هذه المرأة ان تسيطر عليه هكذا ، لا يعرف كيف يصبح طيعا لها ، لا يفهم كيف يدق قلبه مرات لقلبها ، لا يعلم كيف تلفته نعم تلفته ، سكينة تختلف في ردات فعلها معه عن زهرة ، زهرة عنيفة ومتوحشة ولكن هذه غيرها عكسها تماما لا يدري كيف تقترب منه هكذا حتى التصق صدرها بصدره و يدها تحمل وجهه بين كفيها وكيف تداعب لحيته و دموعها و عيناها الحمراوان البائستان و شفتاها اللمعتان : هل حقا تعني ما تقول ، هل تريدني ان ابتعد عنك بعد ان تعلقت بك !

انت قد لمستني ، هل تفهم لمستني ، قد قبلتني ، قبلتني ، كيف تريدني ان انسى هذا بكل بساطة لمجرد انك جلبت امرأة اخرى تظن انها حبيبتك القديمة !

كان لا يزال ينظر الى شفتيها اللامعتين و يستمع منصتا الى كل حرف يخرج منها ، كان الانكسار وحده يكسو سكينة ، قد حلمت و انطفأ الحلم ، قد تأملت و حطم تأملاتها ، هو حقا الرجل الذي كان يجب ان يسيطر على نفسه معها ولا يصل لدرجة ان يقبّلها او يلمسها !

في هذه اللحظة هو مشتت مشتت تماما ، يعطف عليها فهي صادقة في كل حرف تقوله و تبدو له امرأة عاشقة : سكينة .. ما ان نطق حتى وضعت كفها فوق شفته تغلقه برقة : لا لا تقل لي اذهبي ، لا تقل لي انني سأجد رجل آخر ، لا تقل لي انك لم تحبني ولو قليلا ، لا تقل لي انك كنت مخمورا ، لا تقل لي انك لم ترغبني ولو لثوان ، يحي انك تقتل قلبي تقتله !

انهمرت الدموع كالشلال من عينيها ، تبا ، كيف ليحي ان يفعل ذلك بها كيف !

رفعت وجهها اليه وفي تلك اللحظة لا يدري كيف حصل ذلك ، هو فقط انحنى على شفتيها يلتقمها في شغف لا يعلم كيف حصل وكيف جذبته هكذا اليها كان يمرغ فمه على فمها وهي تتعلق به و تغمض عينيها ،كان يجذبها الى صدره و يضم رأسها الى وجهه و يخترق عطرها فيخدر حواسه

 لم تعد تصدق حقا ان يضمها هكذا ويقبلها هكذا ،سمحت له باختراقها ، كيف لا ، انها تعترف لنفسها انها تعشقه ، لم تعد تطيق فراق يحي ، لم تعد ...

 لما نسي المرأة التي في الداخل ولما نسي المرأة التي توعدته بتدمير حياته للتو ، لما نسي كل ذلك وتذكر فقط انه يحتاج ان يقبّلها ،، هذا كل شيء ،،

 إلّا حين سمع طقطقة الباب انفصل عنها بسرعة مبعثر يرفع يده بارتباك الى شعره و ينظر خلفه الى امه التي نظرت اليهما بريبة وهما يقفان هكذا متقاربان و سكينة المحمرة الوجه التي ابتسمت بحرج في وجه زوجة عمها تحييها و الآخر الذي نظر الى عيني امه وفي وجهه كل الذنب الذي تعرفه ،

هناك يقف حين غلبت شهوته عقله

 اشارت له برأسها : تعال وقبلها اتصل بوالدك يجب ان يحضر الى هنا !

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجزء الخامس و الأربعين

  أشعل سيجارة.. من أخرى أشعلها من جمر عيوني ورمادك ضعه على كفي .. نيرانك ليست تؤذيني كان يستيقظ هذه المرة بلا كوابيس ، بلا اجهاد ، المرة الو...